شروين المهرة: ماريا البتول
“غلاء فاحش، ونحن على الله”، هكذا عبرت أم مرام البالغة من العمر 50 عام عن إيمانها الراسخ، وعن صبرها في مواجهة صعوبات الحياة.
تتنقل “أم مرام” بائعة البخور واللبان، بين أزقة وبيوت مدينة تعز القديمة حاملة همّ يومها ولقمة عيشها باحثة عن بضعة ريالات تقتات منها هي وابنتيها اليتيمتان.
تقول أم مرام التي لا يوجد لها معيل، “لا يوجد لدي دخل سواء بيع علب البخور أو 300 ريال إذا بعت الأرواب للنساء اللواتي يملكن ماكينات خياطة”. أي تعمل على شرائها ثم تعود لبيعها في البيوت بفارق بسيط بعد انقطاع الإغاثة عنها.
يستقبل أهالي تعز رمضان بمشاعر الحزن والألم. يزداد عبء الحياة المعيشية مع ارتفاع الأسعار وانعدام الكهرباء والمياه الصالحة للشرب، انهيار الريال، وانعدام الخدمات الأساسية، كلها عوامل جعلت من رمضان عبئًا ثقيلًا على كاهل أبناء تعز.
لا أعرف كيف سأواجه رمضان، تقول أم مرام بحزن، لكن إيماني بالله كبير، وأعلم أنه لن يُخلّفني. كلمات محملة بالأمل والصبر، تُعبّر عن إيمان أم لا تُقهر، تُواجه صعوبات الحياة بقلب شجاع وعزيمة لا تلين.

صرخة في وجه الغلاء
“المعيشة زفت، والوضع نار الله الموقدة”. من قلب تعز، صرخة محمد ثابت علي ناجي، موظف بمستشفى الثورة مسؤول الحدائق والزراعة، في ظل المعيشة الصعبة والأوضاع المتدهورة، والغلاء الفاحش الذي يُعاني منه.
يقول محمد: “أعمل بمستشفى الثورة، وراتبي 60 ألف ريال. هذا الراتب لا يكفي حتى لشراء غداء عشر أيام في البيت، أو لشراء 2وايت ماء.”
يُضيف محمد: “الأسعار جنونية. نزلت السوق معي 150 ألف ريال لشراء أدوات للمطبخ. طقم الأواني الذي كان سعره 2000 ريال، أصبح سعره 40 ألف ريال مع علب المهلبية. لم يبقَ معي مال لشراء علبة مهلبية.”
يُشير محمد إلى أن حال المواطن في شهر رمضان صعبة للغاية: “الله بعون الجميع. راتبي 60 ألف ريال، ماذا أعمل؟ هل أأخذ كيس دقيق ب 40 ألف ريال، أو دبة زيت ب 20 ألف ريال، أو علبة حليب لأبني الرضيع ب 17 ألف ريال، أو حفاضات ب 25 ألف ريال؟!”
يُؤكد محمد أن راتبه لا يكفي لشراء كيس دقيق وكيس رز: “على مستوى الراتب حقي مايغطي كيس دقيق وكيس رز. بس نحن على الله. دولة من حق الجن.”
يُختتم محمد حديثه بقوله: “لو جينا نحسبها المواطن اليمني يمشي بالعافية يعني رغم الغلاء والوضع نحن بخير.”
مفارقة مؤلمة
رمضان هذا العام يختلف عن كل رمضان سبق. يروي لنا نبيل المعبقي، تاجر المواد الغذائية في مدينة تعز، حكاية رمضان هذا العام، حكاية مختلفة بفوارق مؤلمة.
يقول نبيل: “في السابق، كان من الطبيعي أن ترتفع الأسعار في الأعياد الدينية، خاصة رمضان. لكن هذا العام، انتهى تأثير رمضان على ارتفاع الأسعار بشكل نهائي وقاطع، وذلك لغياب السيولة النقدية في السوق.”
يُوضح نبيل: “في الماضي، كان الطلب على المواد الغذائية يرتفع بشكل كبير في رمضان، وكان الناس يشترون كميات كبيرة من العصائر، والزبادي، والحقين، والزيوت، والتمور. لكن الآن، لا يستطيع الناس شراء هذه المواد بسبب ارتفاع الأسعار.”
يُضيف نبيل: “كانت نسبة الإقبال على شراء المواد الغذائية في رمضان تصل إلى 99٪، بينما انخفضت الآن إلى 15٪ فقط. لا يملك الناس المال، حتى الذين يتلقون رواتب لا تكفيهم لتغطية احتياجاتهم الأساسية من خبز، وشاي، وفاصوليا، وعلبة زبادي.”
يُشير نبيل إلى أن العصير والسنبوسة وأدوات رمضان أصبحت من الكماليات، ولا يوجد تأثير لرمضان على ارتفاعها لعدم وجود سيولة ورواتب، ولا يكفي ما لدى البعض قوت يوم واحد في رمضان.
أما عن التحديات التي يواجهها كتاجر ومواطن، فيقول نبيل: “الوضع السياسي والاقتصادي المتدهور هو العامل الأساسي في ارتفاع الأسعار. رصيد الدولة مكشوف، والبنك مفلس، والصرف يتغير بشكل مستمر أمام الدولار والسعودي، مما يؤثر على جميع جوانب الحياة.”
يُضيف نبيل: “الوضع السياسي متدهور ومشتت، فكل جهة تحكم نفسها، مما يؤدي إلى قطع الطرقات، وهذا من أهم المشاكل التي يواجهها المواطن والتاجر، لأن الطريق هو شريان الحياة اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا.”
يُقدم نبيل دليلًا على معاناة الناس: “دائمًا ما أقرأ مناشدات في الجروبات يطالبون فيها التجار واصحاب رؤوس الأموال بتوزيع زكاة رمضان قبل العاشر من رمضان، لأن الناس معدمون ولا يملكون قوت يومهم.”
يُؤكد نبيل أن نسبة الشحاذة في المحلات التجارية قد ارتفعت بشكل كبير، وأن التحديات التي يواجهها الإنسان اليمني في حياته اليومية صعبة للغاية.
يُقارن نبيل بين الوضع الحالي والوضع قبل 12 عامًا: “في 2011-2012، كان راتبي 40 ألف ريال أو 30 ألف ريال يكفيني وزيارة. أما الآن، فالكيس الرز الذي كان سعره 15 ألف ريال أصبح سعره 95 ألف ريال، وكيس الدقيق الذي كان سعره 3 ألف ريال أصبح سعره 55 ألف ريال، والقطمة السكر التي كان سعرها 1500 ريال أصبح سعرها 15 ألف ريال، والزبادي الذي كان سعره 50 ريال أصبح سعره 500 ريال.”
يُختتم نبيل حديثه بقوله: “الراتب الشهري للمواطن اليمني لا يكفي لتلبية احتياجاته الأساسية، ولا يستطيع أن يعيش حياة كريمة. حظنا مختلف عن بقية العالم، وسعادتنا لا تُقارن بسعادة غيرنا.”

معاناة لا تنتهي
تعز لايختلف عن جميع محافظات اليمن، في فبراير/شباط 2024 حذّرت الأمم المتحدة من معاناة هائلة يعاني منها المدنيون في اليمن لأكثر من 9 سنوات بسبب الصراع المستمر وتدهور الاقتصاد والبنية التحتية والخدمات العامة، فضلاً عن تغير المناخ.
وأكّدت الأمم المتحدة أنّ تنفيذ خطة الاستجابة الإنسانية لليمن خلال العام الحالي يتطلب 2.7 مليار دولار لتحقيق ما وُصف بأنه نهج معزز ومحدد الأهداف للبرامج الإنسانية.
ولفتت تقارير الأمم المتحدة إلى أنّ أكثر من 18.2 مليون شخص في اليمن ما زالوا بحاجة إلى الدعم، وأنّ التقديرات تشير إلى أنّ 17.6 مليون شخص سيواجهون انعدام الأمن الغذائي خلال عام 2024، بحسب موقع الأمم المتحدة
تقول حياة الذبحاني ناشطة وفاعلة في المجال الإنساني والخيري والتنموي، في مدينة تعز: “رمضان لم يعد سعيدا كما كان. لم يعد عيدًا سعيدًا، لم يعد اليمنيون يبتَهجون به. نحن اليوم نصارع الجوع والفقر والفاقة. ننتظر فرج الله وتدخل الحكومة والرئيس لانقاض المجاعة التي تهدد الشعب.”
لا تنسى حياة دور المغتربين ورجال الأعمال وبحسب قولها أن هؤلاء هم من يقفون مع أبناء تعز في هذه الأوقات العصيبة. يقدمون المساعدات من خلال الجمعيات والمؤسسات الخيرية، يوزعون المواد الغذائية، مشاريع إفطار الصائم، كسوة العيد، المبالغ المالية. هم وحدهم من ينقذون ما يمكن إنقاذه.
تضيف حياة الذبحاني: “أما دور المنظمات والسلطة المحلية وحكومة الشرعية المعترف بها دولياً فهو غائب. لا نرى أي تحرك من قبلهم لمساعدة الشعب اليمني، وتعتبر هؤلاء مشاركين في تجويع وتركيع الشعب اليمني، ليس فقط أبناء تعز”
يصر أهالي تعز رغم كل التحديات على إحياء رمضان بروح الأمل والتحدي. يواجهون الغلاء والأزمات بأيمانهم الراسخ وعزيمتهم القوية. ينتظرون غدًا أفضل، غدًا تتحقق فيه أحلامهم بحياة كريمة خالية من الحروب والحصار، وإن صمودهم يبعث برسالة للعالم أجمع بأنّ الإنسان اليمني لا ينكسر، وأنّ الأمل ينبع من رحم المعاناة.