شروين المهرة: محرر الشؤون السياسية
في أقصى الشرق اليمني، حيث تلتقي رمال الصحراء بأمواج بحر العرب، تبرز محافظة المهرة كحالة استثنائية في المشهد اليمني المعقد. وفي قلب هذا المشهد، يتصدر اسم الشيخ علي سالم الحريزي كواحد من أبرز الشخصيات القبلية والسياسية التي أعادت تعريف مفهوم “المقاومة السلمية” و”السيادة الوطنية” في زمن الحرب. لم يكن الحريزي مجرد زعيم قبلي يدافع عن نفوذ منطقته، بل تحول إلى رمز وطني يرفض الوجود العسكري الأجنبي، متمسكاً بالدولة اليمنية ومؤسساتها الرسمية.
من خنادق الحدود إلى منصات النضال السلمي
لم يأتِ الحريزي من فراغ سياسي، بل هو نتاج مزيج فريد بين الحنكة القبلية والخبرة العسكرية. فكقائد سابق لقوات حرس الحدود ووكيل لمحافظة المهرة لشؤون الصحراء، يدرك الحريزي قيمة “المتر الواحد” من الأرض اليمنية. هذه الخلفية العسكرية منحته رؤية ثاقبة للأطماع الجيوسياسية التي تحيط بالمهرة، البوابة الشرقية لليمن، وجعلت منه “راداراً” مبكراً لرصد أي محاولات لانتقاص السيادة.
لجنة الاعتصام: السلمية في وجه السلاح
منذ عام 2017، ومع تدفق القوات الخارجية إلى المحافظة التي ظلت بعيدة عن جبهات القتال، قاد الحريزي “لجنة اعتصام أبناء المهرة السلمي”. لم يرفع السلاح، بل رفع شعار “السيادة الوطنية”؛ طالب بإخلاء مطار الغيضة وميناء نشطون والمنافذ البرية من القوات غير اليمنية، وتسليمها للأجهزة الأمنية الرسمية. ورغم الضغوط الهائلة، ظل الحريزي ثابتاً، واصفاً التواجد غير المبرر لتلك القوات بأنه انتقاص من السيادة يجب مقاومته بالوسائل السلمية والقانونية.
المهرة أولاً: الوصفة السحرية للتماسك الاجتماعي
في الوقت الذي انزلقت فيه محافظات يمنية عدة نحو الصراعات المناطقية، نجح الشيخ الحريزي، بمشاركة القوى المهرية الحية، في بناء سياج اجتماعي منيع. من خلال صياغة “ميثاق شرف” قبلي، تمكن من:
منع الاقتتال الداخلي: تجنيب القبائل المهرية صدامات كانت تهدف لتفتيت النسيج المجتمعي.
رفض التشكيلات الموازية: وقف محاولات إنشاء وحدات عسكرية خارج إطار وزارتي الدفاع والداخلية.
الاستقرار كأولوية: جعل المهرة ملاذاً آمناً لليمنيين من كل المحافظات، محولاً إياها إلى نموذج للتعايش الوطني.
حارس السيادة في مواجهة مشاريع التدويل
تتجاوز رؤية الحريزي حدود المحافظة لتلامس جوهر القضية اليمنية؛ فهو يقف سداً منيعاً أمام أي مشاريع لمد أنابيب نفطية أو إنشاء قواعد عسكرية دون اتفاقات رسمية مع دولة يمنية كاملة السيادة. بالنسبة له، المهرة ليست مجرد جغرافيا، بل هي كرامة يمنية لا تقبل المقايضة.
وكما يردد دائماً في خطاباته التي باتت دستوراً للحراك المهري: “إننا لا نعادي أحداً، ولكننا نرفض أن تُنتهك سيادتنا أو يُسلب قرارنا على أرضنا”. هذه الكلمات تلخص حكاية رجل اختار الانحياز للأرض في زمن المتاهة، ليصبح الشيخ علي سالم الحريزي اليوم صوتاً للسيادة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب.
