توفيق أحمد
ما جرى في الرياض لم يكن لقاءً عابرًا ولا حوارًا تمهيديًا، بل لحظة صادمة في تاريخ الأزمة اليمنية، لأنها للمرة الأولى تُقدَّم شرعنة الانفصال بوصفها مسارًا سياسيًا مشروعًا، لا تمرّدًا على الدولة ولا خروجًا عن الإجماع الوطني، بل خيارًا يُناقَش علنًا تحت رعاية التحالف نفسه.
الصدمة لا تكمن فقط في مضمون ما طُرح، بل في الصمت الذي قوبل به، وفي انكشاف حجم التواطؤ، وكأن اليمنيين يُطلب منهم التكيّف مع حقيقة جديدة: أن وحدة البلاد لم تعد خطًا أحمر، بل ملفًا قابلًا للتفاوض والتجزئة.
سقوط الخطاب… وانتهاء الأسطورة
لسنوات، بُني خطاب “الشرعية” على ثنائية مقدسة: الوحدة والدولة. قيل إن الحرب خيضت دفاعًا عن اليمن الموحد، وإن التحالف جاء لإنقاذ الدولة لا لتفكيكها. لكن ما حدث في الرياض أسقط هذا الخطاب دفعة واحدة، وبلا رتوش.
كيف يمكن لمن ادّعى الدفاع عن الوحدة أن يصمت أمام مشهد تُرفع فيه أعلام دولة سابقة، وتُعزف أناشيد انفصالية، ويُناقش “استعادة دولة الجنوب” تحت رعاية من زعموا أنهم حماة الشرعية؟
السقوط هنا ليس سياسيًا فقط، بل أخلاقيًا ورمزيًا، إذ تبيّن أن الخطاب لم يكن سوى غطاء مؤقت، سقط فور انتهاء صلاحيته.
من شركاء إلى فائض سياسي
الأكثر إهانة في المشهد، ليس ما قيل، بل من غاب. الحكومة، ومجلس القيادة الرئاسي، ورشاد العليمي نفسه، لم يكونوا طرفًا في لحظة مصيرية تُعاد فيها صياغة مستقبل البلاد.
التحالف لم يعد يرى فيهم شركاء ولا حتى وسطاء، بل عبئًا سياسيًا يمكن تجاوزه. جرى التعامل مباشرة مع القوى الانفصالية، في رسالة فجة: أنتم خارج المعادلة.
هذا التجاوز لم يكن صدفة، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من التبعية، أوصل هذه الكيانات إلى موقع المتفرج، بعد أن فقدت قرارها وشرعيتها معًا.
احتقار معلن لا سوء تفاهم
ما حدث ليس سوء تقدير، ولا خللًا بروتوكوليًا، بل احتقار سياسي معلن. التحالف الذي استخدمهم غطاءً في مرحلة سابقة، قرر اليوم الاستغناء عنهم، بعد أن استُنفدت وظيفتهم.
لم يعد بحاجة لشرعية لفظية، ولا لخطاب وحدة، بل لمسارات مباشرة تحقق مصالحه، حتى لو على حساب تفكيك الدولة التي قال إنه جاء لحمايتها.
الخلاصة الصادمة
ما نعيشه اليوم ليس فقط شرعنة للانفصال، بل إعلان غير مباشر عن نهاية مرحلة كاملة، سقطت فيها الأقنعة، وتبيّن أن الوحدة لم تُخذل من الداخل فقط، بل جرى بيعها من أعلى، وتحت رعاية من ادّعوا حمايتها.
والأخطر من ذلك، أن يُطلب من اليمنيين القبول بالأمر الواقع، وكأن التفكك قدر، لا جريمة سياسية مكتملة الأركان.
